سلسلة معلومات مفيدة – المقال الثالث
الأكل والمزاج
الغذاء الذي يؤثر على دماغك
بقلم: منال المسلم
هل لاحظت يومًا أن مزاجك كان أفضل بعد وجبة معينة؟
أو شعرت بثقل وخمول بعد أكل كثير ودسم؟
أو أن صداعًا وعصبية بسيطة اختفت بعد أن أكلت حين كنت جائعًا؟
هذه ليست مصادفات – هي اتصال حقيقي بين ما تأكله وكيف تشعر. علم الأعصاب والتغذية يُثبت اليوم ما كان يبدو بديهياً: الغذاء يُؤثر على الدماغ، والمزاج، وحتى القدرة على التفكير والتركيز.
” ما تأكله لا يُغذّي جسمك فقط – يُغذّي دماغك وعواطفك أيضًا “
لاحظ نفسك – قبل أن تقرأ المقال
فكّر في أسبوعك وأجب بصدق:
- هل لاحظت فرقًا في طاقتك أو مزاجك بحسب ما أكلت؟
- هل تشعر بخمول أو ضباب ذهني بعد وجبات بعينها؟
- هل تلجأ للأكل حين تتوتر أو تشعر بالفراغ العاطفي؟
- هل أكلك اليومي يشمل خضروات وفاكهة بانتظام؟
- هل تستهلك كميات كبيرة من السكر أو الأطعمة المُصنّعة؟
هذه الأسئلة ليست للحكم، بل لتبدأ تُلاحظ اتصالاً موجوداً ربما لم تنتبه إليه من قبل.
المحور المعوي – الدماغي – اتصال في الاتجاهين
في علم الأعصاب، هناك ما يُعرف بالمحور المعوي- الدماغي Gut-Brain Axis وهو شبكة اتصال ثنائية الاتجاه بين الجهاز الهضمي والدماغ، تعمل عبر الجهاز العصبي والجهاز المناعي والهرمونات.
الأمعاء تُسمّى أحياناً “الدماغ الثاني” إذ تحتوي على شبكة من أكثر من مئة مليون خلية عصبية. هذه الشبكة تتواصل مع الدماغ باستمرار وما تأكله يؤثر على هذا التواصل.
السيروتونين والأمعاء – معلومة بدقة
نحو ٩٠٪ من السيروتونين في الجسم يُنتَج في الأمعاء، لكن مع توضيح علمي مهم: هذا السيروتونين المعوي لا يعبر مباشرةً إلى الدماغ بسبب ما يُعرف بحاجز الدم – الدماغ. وظيفته الرئيسية تنظيم حركة الجهاز الهضمي والتواصل مع الجهاز المناعي. لكنه يُؤثر على المزاج بشكل غير مباشر من خلال إشارات ترسلها الأمعاء إلى الدماغ عبر العصب الحائر
Vagus Nerve.
بمعنى أبسط: صحة الأمعاء وما تأكله يُؤثر على مزاجك، لكن عبر مسارات معقدة وغير مباشرة، لا بطريقة بسيطة كما يُشاع أحياناً.
تخيّل هذا المشهد:
منيرة لاحظت أنها حين تأكل وجبة غنية بالسكر في المساء تنام بصعوبة وتستيقظ بتعب. وحين تأكل سلطة مع بروتين على الغداء تكون أكثر تركيزاً في الساعات التي تليها. بدأت تربط الأمور، ليس لأنها قرأت عنها، بل لأنها بدأت تُلاحظ جسدها. هذه الملاحظة البسيطة غيّرت خياراتها الغذائية تدريجياً.
وبصراحة أنا لاحظت نفسي إن أكلت شيء فيه كاربوهيدرات وسكريات عالية أشعر بالخمول في حين إذا كانت الوجبة فيها خضار وبروتين وقليل من الكاربوهيدرات (يعني متوازنة) أشعر بالنشاط بشكل أكبر.
ما الذي يُضعف الدماغ والمزاج؟
- السكر المُضاف والمُكرَّر: السكر يُعطي رفعة مؤقتة في المزاج، ثم يأتي الانخفاض المفاجئ. هذا ما يُعرف بـ”تقلبات سكر الدم” ويُصاحبه عصبية، ضباب ذهني، وإرهاق.الاستهلاك المزمن للسكر يرتبط في الأبحاث بارتفاع مؤشرات الالتهاب في الجسم، وهو مرتبط بدوره بتدهور الحالة المزاجية.
- الأطعمة المُصنّعة والمُعالَجة: الأطعمة فائقة المعالجة Ultra-processed foods تحتوي على مضافات ومواد حافظة وكميات كبيرة من السكر والملح والدهون المُهدرجة. الأبحاث تربطها بزيادة خطر تدهور الصحة النفسية على المدى البعيد.
- الجفاف أقل مما تظن: الدماغ يتكون من نحو ٧٥٪ ماء. حتى الجفاف الخفيف يؤثر على التركيز والمزاج وسرعة التفكير. كثيرون يصفون تعبًا ذهنياً وعصبيةً هي في الحقيقة جفاف خفيف.
- تخطّي الوجبات: حين ينخفض سكر الدم بسبب طول الفترة بين الوجبات، يتأثر أداء الدماغ، ويزيد التوتر والتهيّج. الجوع الشديد يُصعّب اتخاذ القرارات والتحكم في ردود الأفعال.
ما الذي يدعم الدماغ والمزاج؟
- الأحماض الدهنية أوميغا-٣: موجودة في الأسماك الدهنية كالسلمون والسردين، وفي بذور الكتان والجوز. الأبحاث تُثبت ارتباط الأوميغا-٣ بدعم وظائف الدماغ وتقليل مؤشرات الالتهاب المرتبطة بتدهور المزاج.
- الأطعمة الغنية بالألياف: الخضروات، الفواكه، البقوليات، والحبوب الكاملة تُغذّي البكتيريا النافعة في الأمعاء، وهذا يدعم التواصل الصحي بين الأمعاء والدماغ عبر المحور المعوي – الدماغي.
- البروتين بانتظام: البروتينات تُوفّر الأحماض الأمينية التي يحتاجها الدماغ لبناء الناقلات العصبية. وجبة تحتوي على بروتين كافٍ تُساعد على الاستقرار الذهني وتجنّب تقلبات المزاج.
- المغنيسيوم: موجود في المكسرات، الخضروات الورقية، والبقوليات. يرتبط نقصه في بعض الأبحاث بزيادة التوتر والقلق. كثير من الناس يعانون من نقص خفيف في المغنيسيوم دون أن يعلموا.
- الماء: شرب الماء بكميات كافية على مدار اليوم وليس فقط حين تشعر بالعطش يُحافظ على حدة التفكير وتوازن المزاج.
“ الغذاء الجيد لا يعالج كل شيء لكنه أساس لا يمكن تجاهله “
الأكل العاطفي – حين يصبح الطعام مواساة
كثيرون منّا تعلّموا ربط الأكل بالمشاعر، حين نتوتر نأكل، حين نحزن نأكل، حين نملّ نأكل. هذا ما يُعرف بالأكل العاطفي Emotional Eating.
الأكل العاطفي ليس ضعفاً في الشخصية لكن له أسباب نفسية وبيولوجية حقيقية. الدماغ يتعلّم أن الطعام يُوفّر راحة مؤقتة لأنه يُفرز الدوبامين. والمشكلة حين يصبح ذلك الطريق الوحيد للتعامل مع المشاعر الصعبة.
علامات الأكل العاطفي:
- الرغبة في الأكل تأتي فجأة وبقوة وليس تدريجياً كالجوع الحقيقي.
- تشتهي أطعمة بعينها محددة ومريحة لا أي طعام.
- تأكل حتى بعد الشبع لأن المشاعر لم تهدأ بعد.
- تشعر بذنب أو خجل بعد الأكل.
الحل ليس بالحرمان بل بالوعي. أن تسأل نفسك قبل الأكل: هل أنا جائع فعلاً؟ أم أنني أبحث عن شيء آخر؟
الغذاء في الإسلام – طيّباً وبلا إسراف
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ الطيّب هنا يشمل الطهارة والنفع والجودة. ما ينفع الجسم ولا يُضره داخل في هذه الآية.
وقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ الاعتدال في الأكل ليس فقط أدباً إسلامياً لكنه توجيه صحي يتوافق مع ما توصّل إليه العلم في التغذية.
وقال النبي ﷺ: “ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطنه” هذا الحديث يُعبّرعن حكمة عميقة تُؤكدها الأبحاث: الإفراط في الأكل يُثقل الجسم والعقل.
تمرين من منظور نَسمة® – لمدة أسبوع
لا تحتاج تغيير نظامك الغذائي كاملاً ابدأ بخطوة واحدة:
اختر تعديلاً واحداً صغيراً هذا الأسبوع من بين:
← استبدل مشروبًا سكرياً واحداً يومياً بالماء.
← أضف حفنة من الخضروات لوجبة واحدة يومياً.
← لا تتخطَّ الإفطار لثلاثة أيام متتالية.
← لاحظ مزاجك وتركيزك بعد كل وجبة واكتب ملاحظة بسيطة.
التغيير الصغير الثابت أكثر فاعلية من الثورة الغذائية المؤقتة.
خلاصة نَسمة®
الغذاء ليس مجرد وقود للجسم، هو معلومة يُرسلها جسمك إلى دماغك في كل وجبة. والدماغ يستجيب.
لا يعني هذا أن تُعقّد علاقتك بالطعام أو تُحوّلها إلى وسواس. يعني أن تُضيف وعيًا بسيطًا: ما أكله يؤثر على كيف أشعر، وكيف أفكر، وكيف أتعامل مع يومي.
ابدأ صغيراً. لاحظ نفسك. وامنح جسمك ما يستحق بلا إفراط وبلا حرمان.
“ جسمك يُخبرك باستمرار بما يحتاجه، المهم أن تتعلم الإنصات “
نسأل الله أن يرزقنا من طيّبات ما خلق، وأن يجعل ما نأكله قوةً على طاعته ونفعاً لنا ولمن حولنا.
المقال القادم الأربعاء ١٢ أغسطس:
التنفس والجهاز العصبي – ما يقوله علم الأعصاب
منال المسلم
@manalalmusallam
@breath.of.joy