المدونة

الوالدان والطفل كلمة واحدة تبقى عمرًا

سلسلة الوعي المجتمعي  –  المقال الثالث

بقلم: منال المسلم

جلست مرة مع عميله في الأربعين من عمرها. حين سألتها لماذا لا يتجرب أشياء جديدة، توقفت قليلاً ثم قالت بهدوء: “أبي كان يقول دائماً: أنت لن تنجحي في هذا.”

أربعون سنة وتلك الكلمات لا تزال تعمل!

ما يقوله الوالدان لأطفالهم لا يبقى في تلك اللحظة فقط بل يتحوّل مع الوقت إلى صوت داخلي يرافق الطفل في كل قرار يتخذه، كل خطر يواجهه، كل حلم يفكر فيه.

طريقة حديثنا مع أطفالنا تصبح صوتهم الداخلي، فأيّ صوت نمنحهم؟


كيف تصبح كلماتنا صوتًا داخليًا لأطفالنا؟

علم النفس التنموي يُثبت أن الطفل يبدأ حياته بالتحدث مع نفسه بصوت عالٍ، يُسمّى هذا “الكلام الخاص -” Private Speech وهو ما لاحظه عالم النفس السوفيتي Lev Vygotsky في عشرينيات القرن الماضي. يتحدث الطفل مع نفسه ليُنظّم سلوكه ويفهم ما حوله.

مع النمو، يتحوّل هذا الكلام الخارجي إلى كلام داخلي صامت، يُصبح الصوت الداخلي الذي يرافقنا طوال حياتنا.

والمهم: هذا الصوت يتشكّل في البداية من الكلمات التي سمعها الطفل من من يُحبّهم ويثق بهم، والدان في المقام الأول.

بمعنى آخر: الكلمات التي تقولها لطفلك اليوم، هي الكلمات التي سيقولها لنفسه غدًا.

تخيّل هذا المشهد:

مريم كانت طفلة تحبّ الرسم. في كل مرة رسمت فيها شيئًا وعرضته، سمعت: “هذا مو زين” أو “شوفي أختك رسمتها أحسن.” لم يكن أهلها يقصدون الأذى بل كانوا يظنون أنهم يدفعونها للتحسّن. لكن ما تعلّمه دماغها هو: ما أقدّمه ليس كافياً!

اليوم سارة في الثلاثين من عمرها، وكلما أرادت تجربة شيء جديد، يُهمس في داخلها: “ما راح يكون زين.”

ما الذي تقوله الأبحاث عن أثر الكلمات؟

أثبتت دراسات متعددة في علم النفس التنموي أن أسلوب التواصل بين الوالدين وأطفالهم يُشكّل تقدير الذات لديهم بصورة مستمرة من الطفولة حتى المراهقة وما بعدها.

الكلمات السلبية المتكررة:

أشارت أبحاث في هذا المجال إلى أن النقد والتوبيخ المتكرر يُسبّب ضغطًا اجتماعيًا ونفسيًا على الطفل، وقد يُشكّل مفهومًا سلبيًا عن الذات يصعب تغييره لاحقًا. الخبراء يُشيرون إلى أن الكلمات السلبية المتكررة لا تُحفّز الطفل، بل تُقيّده.

الكلمات الإيجابية والدافعة:

في المقابل، الدراسات تُثبت أن الدفء العاطفي والتشجيع من الوالدين يرتبطان بارتفاع ملحوظ في تقدير الذات، والصحة النفسية، والقدرة على بناء علاقات صحية في المستقبل. الطفل الذي يشعر بالقبول يُطوّر ثقة داخلية تخدمه طوال حياته.

الفكرة الجوهرية التي تتفق عليها الأبحاث: مفهوم الطفل عن نفسه يتشكّل بصورة كبيرة من خلال ما يسمعه من الوالدين، لأنهم مرجعه الأول والأهم في فهم قيمته وقدراته.

أنماط في حديثنا مع الأطفال – نلاحظها بوعي

 

  1. المقارنة بالآخرين: “شوف أخوك…” أو “بنت فلان أحسن منك في…”…الخ ، المقارنة المتكررة تُرسّخ في الطفل شعورًا بأنه ناقص بطبيعته، وأن قيمته مرتبطة بأدائه مقارنةً بغيره. وهذا يُولّد إما الاستسلام أو التنافسية المُرهِقة.
  2. ربط القيمة بالإنجاز فقط: “أنا أحبك لأنك نجحت” حين يشعر الطفل أن الحب مشروط بالأداء، يتعلّم أن يكون، لا أن يكون محبوبًا. يكبر وهو يطارد الإنجاز لا لأنه يريده بل لأنه يبحث عن القبول.
  3. التهوين من المشاعر: “ما فيها شيء”، “لا تبكي على هذا”، “أنت بالغت في الموضوع”…الخ

حين نُقلّل من مشاعر الطفل، لا نُريحه بل نُعلّمه أن مشاعره خاطئة، فيكبر وهو لا يثق بما يشعر به.

  1. التعميم السلبي: “أنت دائماً هكذا”، “ما تعرف تكمل أي شيء”، “أنت كسول” …الخ هذه الجمل لا تصف سلوكًا بل تصف شخصية. والطفل يُصدّق. يُدرج هذه الجمل في تعريفه لنفسه.
  2. الإهمال العاطفي – وهو أكثر مما نتخيل: ليس فقط ما نقوله، بل ما لا نقوله. الطفل الذي لا يسمع “أنا فخور بك”، “أنت تستطيع”، “أنا معك” … يُعاني من فراغ عاطفي يحاول ملأه بطرق أخرى طوال حياته.

 

الطفل لا يتذكر ما فعلته له بل يتذكر كيف جعلته يشعر


للوالدين – هذا ليس إدانة

قبل أن نكمل هذا المقال ليس اتهامًا للوالدين. معظم الآباء والأمهات يُربّون بأفضل ما يعرفون، وبأدوات ورثوها بدورهم من بيئاتهم.

كثير من الأنماط التي نُمارسها مع أطفالنا هي أنماط تعلّمناها لا اخترناها. والوعي بها هو أول خطوة للتغيير، لا للعقاب.

الهدف ليس الوالد المثالي، لكن الهدف الوالد الواعي. الذي يُلاحظ، يتوقف، ويُصحّح حين يخطئ. وحتى الاعتذار للطفل حين نخطئ في حقه  يُعلّمه درسًا عميقًا عن المسؤولية والمحبة.

 الإسلام وكرامة الطفل

قال النبي ﷺ: “أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم”  وإكرام الطفل يبدأ من الكلمة التي نُخاطبه بها، والطريقة التي نُعامله فيها.

وقال ﷺ: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيّته”  والرعاية تشمل الجانب النفسي والعاطفي لا الجانب المادي فقط. الطفل أمانة وأمانة نفسه وكرامته جزء من هذه المسؤولية.

الإسلام رفع مكانة الطفل ووضع للوالدين مسؤولية تربيته لا مجرد إعاشته. والتربية الحقيقية تبدأ من داخل الطفل من صورته عن نفسه وثقته بالعالم.

ماذا نقول؟ بدائل عملية

ليس المطلوب أن نُزيل التصحيح أو التوجيه لكن المطلوب أن نُغيّر الأسلوب:

بدلاً من: “أنت كسول

قل: “لاحظت إنك ما أكملت المهمة، ما الذي يمنعك؟”  هذا يُعالج السلوك لا الشخصية.

بدلاً من: “شوف أخوك نجح

قل: “أنت تستطيع، لنرى كيف نساعدك.” هذا يُبني لا يُقارن.

بدلاً من: “ما فيها شيء، لا تبكي

قل: “أرى إنك حزين، هذا طبيعي، وأنا معك.” هذا يُعلّمه أن مشاعره مقبولة.

بدلاً من: “أنت دائماً هكذا

قل: “هذه المرة تصرّفت بطريقة لا تُناسب وأنا أعرف أنك تقدر أحسن من هذا.” هذا يفصل بين الفعل والشخصية.

أضف هذه الجمل إلى يومك:

  • “أنا فخور بك”
  • “أنت تستطيع”
  • “جهدك يهمني أكثر من النتيجة”
  • “أنا أحبك، بغض النظر”
  • “أنا معك حتى لو أخطأت”

 

تمرين من منظور نَسمة® للوالدين هذا الأسبوع

في نهاية كل يوم لمدة أسبوع، اسأل نفسك:

  • ما الكلمة أو الجملة الأكثر تأثيرًا التي قلتها لطفلي اليوم؟
  • هل أريد أن تصبح هذه جزءًا من صوته الداخلي؟

لا يُطلب منك الكمال — يُطلب منك الوعي.

ولو أخطأت يومًا — الاعتذار لطفلك يُعلّمه درسًا لا يُعلّمه شيء آخر.

للكبار – ماذا لو كان صوتنا الداخلي مؤلمًا؟

وأنت تقرأ هذا المقال، ربما استيقظت ذكريات. ربما تعرّفت على أنماط سمعتها في طفولتك ولا تزال تُسمّعها لنفسك.

هذا الوعي والادراك وحده قيمة. لأن الخطوة الأولى للتغيير هي الادراك ورؤية ما كان دون إدانة لوالديك الذين ربما ورثوا هذه الأنماط بدورهم، ودون إدانة لنفسك.

الصوت الداخلي القديم يمكن إعادة كتابته ليس بالسهولة، لكن بالوعي والادراك المتكرر، والخبرات الجديدة، وربما بمساعدة متخصص حين يكون الجرح عميقًا.

أنت لست مجموع ما قيل لك في طفولتك. أنت ما تختار أن تصدّقه الآن.

نسأل الله أن يُعيننا على تربية أبنائنا بما يُرضيه، ويجعل كلماتنا معهم بذورًا للخير وليس للجرح.

المقال القادم الأربعاء ١٥ يوليو

بعنوان التعاطف – المهارة الأكثر ندرة في عالمنا اليوم

منال المسلم

@manalalmusallam
@breath.of.joy