المدونة

التعاطف المهارة الأكثر ندرة في عالمنا اليوم

سلسلة الوعي المجتمعي – المقال الرابع والأخير

التعاطف المهارة الأكثر ندرة في عالمنا اليوم

بقلم: منال المسلم

أخبرتَ أحدهم بشيء يؤلمك، فقال لك: “في ناس أحوالهم أصعب منك” أو “لا تبالغ، ما هو كبير الموضوع.” أو صمت وغيّر الموضوع.

خرجت من ذلك الحديث وأنت أثقل مما دخلت. ليس لأن مشكلتك كبرت، بل لأن أحداً لم يَرَك.

هذا هو غياب التعاطف. وهو أكثر مما نتخيل في عالمنا اليوم.

الناس لا يحتاجون دائمًا من يحلّ مشكلتهم بل يحتاجون من يشعر بها

 

كيف مستوى تعاطفك؟ تأمّل بصدق

فكّر في تعاملاتك مع الآخرين وأجب:

  • حين يحكي لك أحدهم مشكلة، هل تستمع لتفهم أم لتردّ؟
  • هل تجد نفسك تُقلّل من مشاعر الآخرين أو تقارنها بمشاعر أشخاص آخرين؟
  • هل تستعجل تقديم النصيحة قبل أن تسأل: هل يريد الشخص نصيحة أصلاً؟
  • حين يغضب منك شخص، هل أول ما تفكر فيه هو دفاعك عن نفسك أم فهم ما شعر به؟
  • هل تشعر أحياناً بالإرهاق عند الاقتراب من مشاعر الآخرين؟

لا يوجد جواب “صحيح” هنا، هذا تأمّل لا امتحان. لكن الوعي بأنماطنا هو أول خطوة لتطويرها.

التعاطف – ما هو فعلاً؟

التعاطف هو القدرة على فهم مشاعر الآخرين والتواصل معها، وهو مختلف عن التعاطف بمعنى الشفقة. الشفقة تنظر إلى الآخر من أعلى، أما التعاطف فيضع نفسك في مكانه.

الباحثون في علم النفس يُميّزون بين نوعين رئيسيين للتعاطف:

 

  • التعاطف المعرفي Cognitive Empathy

القدرة على فهم ما يشعر به الآخر ورؤية الموقف من منظوره دون أن تشارك بالضرورة نفس الشعور. هو تعاطف العقل.

  • التعاطف العاطفي Affective Empathy

الشعور الفعلي بما يشعر به الآخر، المشاركة الوجدانية التلقائية. هو تعاطف القلب.

التعاطف الكامل يجمع بين النوعين: أفهم ما تشعر به، وأشعر معك ثم أستطيع تقديم ما تحتاجه فعلاً.

تخيّل هذا المشهد:

مريم تمرّ بيوم صعب في العمل. تحكي لصديقتها دانة. دانة تستمع ثم تقول: “أنا أيضا مررت بشيء مشابه، وتعاملت معه بكذا…” وتبدأ تحكي عن نفسها. مريم تبتسم من الخارج لكنها تشعر أن صديقتها لم تكن معها فعلاً. في اليوم التالي تحكي لزميلتها هيا. هيا تقول فقط: “هذا يبدو صعبًا جداً. كيف أنتِ الآن؟” مريم تشعر بخفة لم تشعر بها منذ أيام. الفرق لم يكن في الكلمات بل كان في الحضور.

 

هل نصبح أقل تعاطفًا؟ ما تقوله الأبحاث

دراسة شهيرة أجرتها الباحثة Sara Konrath من جامعة Indiana عام ٢٠١٠ حللت بيانات قرابة ١٤٠٠٠ طالب جامعي على مدى ثلاثة عقود، ووجدت أن مستويات التعاطف انخفضت بشكل ملحوظ بين الطلاب الجامعيين من الأجيال اللاحقة مقارنةً بأقرانهم في الثمانينيات والتسعينيات مع تسارع هذا التراجع بعد عام ٢٠٠٠.

لكن الدراسات اللاحقة أضافت صورة أكثر تعقيداً وتفاؤلاً: بحث نشرته Konrath وزملاؤها عام ٢٠٢٣ ودرس الاتجاهات حتى ٢٠١٨ وجد تحسناً ملحوظاً في مؤشرات التعاطف بعد عام ٢٠٠٩  مما يُثبت أن التعاطف ليس صفة ثابتة بل مهارة متغيرة تتأثر بالبيئة والوعي.

الخلاصة العلمية: التعاطف قابل للنمو والتراجع وهذا خبر جيد، لأنه يعني أننا نستطيع تطويره.

 

لماذا يصعب علينا التعاطف أحياناً؟

  1. الإرهاق العاطفي: التعاطف يتطلب طاقة وحين نكون مُستنزَفين، تنخفض قدرتنا عليه تلقائياً. الإنسان المرهق يجد صعوبة في الاهتمام بمشاعر غيره لأن دماغه مشغول بالبقاء.
  2. الخوف من الانزلاق العاطفي: بعض الناس يبتعد عن مشاعر الآخرين خوفاً من أن يُغرق نفسه معها. وهذا تحديًا حقيقي لكن الحل ليس الابتعاد، بل تعلّم كيف تكون حاضراً دون أن تفقد نفسك.
  3. ثقافة الحلول السريعة: تربّينا على أن الاستجابة الصحيحة لمشكلة شخص هي تقديم حل. لكن أحياناً الشخص لا يريد حلاً بل يريد أن يُسمَع. القفز للحل قبل الاستماع هو شكل غير مقصود من غياب التعاطف.
  4. مركزية الذات: حين نكون منشغلين بأنفسنا وبأفكارنا وهمومنا وآرائنا، يضيق الفضاء الذهني المتاح للآخر. التعاطف يتطلب خروجاً مؤقتاً من دائرة الذات.

التعاطف في الإسلام – فريضة وفضيلة

قال النبي ﷺ: “مَثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمَثَل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”  – رواه البخاري ومسلم.

هذا الحديث يصف التعاطف كحالة جماعية عميقة، ليس مجرد شعور فردي بل استجابة حقيقية وفعلية لألم الآخر. “تداعى له” أي أن بقية الجسد يتحرك، يستيقظ، يشعر.

وقال ﷺ: “لا يؤمن أحدكم حتى يُحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه” وهذا جوهر التعاطف: أن تضع نفسك في مكان الآخر وتُعامله بما تتمنى أن تُعامَل به.

 

التعاطف ليس – فروق مهمة

  • التعاطف ليس الموافقة: يمكنك أن تفهم مشاعر شخص وتشعر بها معه، دون أن توافقه على موقفه أو قراره. التعاطف يبدأ بالفهم، لا بالحكم.
  • التعاطف ليس الاستسلام: أن تتعاطف مع شخص لا يعني أنك توافق على كل شيء يفعله. يمكنك أن تكون صادقاً ومحباً في آن واحد.
  • التعاطف ليس إلغاء نفسك: التعاطف الصحي لا يعني ذوبانك في مشاعر الآخر حتى تفقد نفسك. هو حضور كامل مع الحفاظ على حدودك الداخلية.
  • التعاطف ليس مشاعر فقط بل هو أفعال: التعاطف الذي يبقى في القلب دون أن يتحول لموقف أو كلمة أو فعل، يظل ناقصاً. الشخص الذي يحتاجك يحتاج حضورك، لا فقط مشاعرك الداخلية.

 

التعاطف ليس أن تشعر عن الآخر بل أن تشعر معه

 


كيف تُنمّي التعاطف؟ أدوات عملية


أولاً: استمع لتفهم لا لتردّ

في المحادثة القادمة، حاول أن تُركّز كل انتباهك على ما يقوله الشخص، لا على ما ستقوله أنت. هذا وحده يُغيّر طبيعة المحادثة كلياً.

ثانياً: اسأل قبل أن تفترض

بدلاً من “أنا أعرف كيف تشعر” قل: “كيف تشعر بالضبط؟” الفرق كبير، الجملة الأولى تُغلق، الثانية تفتح.

ثالثاً: اعترف بالمشاعر قبل تقديم الحلول

قبل أي نصيحة، اعترف بما يشعر به الشخص: “هذا يبدو صعباً جداً” أو “أفهم لماذا تشعر بهذا.” هذه الجملة البسيطة تصنع فرقًا كبيراً.

رابعاً: تدرّب على “وضع نفسك مكانه

حين تختلف مع شخص أو لا تفهم تصرفه، اسأل: لو كنت في ظروفه، بتاريخه، بما يحمله هل كان من الممكن أن أتصرف بشكل مشابه؟ هذا السؤال يكسر الحكم ويفتح الفهم.

خامساً: اعتنِ بجهدك النفسي

التعاطف يتطلب جهدا. الإنسان المُستنزَف يجد صعوبة في الاهتمام بغيره. الاعتناء بنفسك ليس أنانية  بل هو شرط للقدرة على الاهتمام بالآخرين.


تمرين هذا الأسبوع من منظور نَسمة®

اختر شخصاً في حياتك يمرّ بوقت صعب.

تواصل معه بجملة واحدة فقط:

   “رأيتك وأنت تمرّ بهذا – كيف حالك فعلاً؟”

ثم اصمت. واستمع.

لا تُقدّم نصيحة. لا تُقارن. لا تُسرع.

فقط كن هناك، حاضرًا كاملاً.

لاحظ ما يحدث في تلك المحادثة.

 


خلاصة نَسمة® وختام السلسلة

في هذه السلسلة تحدثنا عن الضغط الاجتماعي، ثقافة المقارنة، أثر كلماتنا على أطفالنا واليوم نختم بالتعاطف لأنه الجسر الذي يربط كل ما سبق.

مجتمع أكثر تعاطفاً هو مجتمع أقل ضغطاً، أقل مقارنةً، وأكثر قدرة على رؤية الآخر كإنسان كامل لا مجرد دور أو منصب أو مظهر.

التعاطف ليس ضعفاً بل هو شجاعة. يتطلب أن تخرج من دائرتك وتدخل في تجربة شخص آخر دون أن تحكم، وهذا ليس سهلاً. لكنه يستحق. لأن أعمق ما يحتاجه الإنسان في كل مراحل حياته هو أن يُرى ويُفهم، لا أن يُصلَح أو يُقارَن أو يُحكَم عليه.

أن تُرى من شخص تحبه، هذا وحده يكفي أحياناً

نسأل الله أن يجعل قلوبنا رحيمة، وأن يرزقنا من يرانا ونراه، وأن نكون لمن حولنا مصدر راحة لا مصدر ثقل.

انتهت سلسلة الوعي المجتمعي

المقال القادم الأربعاء ٢٢ يوليو – سلسلة معلومات مفيدة:

النوم ليس رفاهية – ما يفعله قلّة النوم في عقلك

منال المسلم

@manalalmusallam

@breath.of.joy