بقلم: منال المسلم
قال شيئا أزعجك فرددت فورا بكلام ندمت عليه لاحقا.
موقف بسيط أشعل فيك غضبا لا يتناسب مع حجمه.
شخص نظر إليك نظرة فشعرت بثقل لم تستطع تفسيره.
هذه ليست مصادفات، وأنت لست “حساسًا أكثر من اللازم”. هذه ردود فعل انفعالية لها جذور حقيقية، وفهمها هو أول خطوة للتحكم فيها.
“ بين المحفز والاستجابة توجد مساحة. في تلك المساحة تكمن حريتنا وقدرتنا على اختيار استجابتنا. وفي استجابتنا يكمن نمونا وسعادتنا.”
هذه العبارة ذكرها الكاتب ستيفن كوفي أنه قرأها في أحد الكتب. وهي من أعمق ما قيل في علم النفس. واليوم نتعلم كيف نوسع تلك المساحة.
لنتتعرف على أنفسنا.
فكر في الأسبوع الماضي وأجب بصدق:
- هل رددت على موقف بطريقة شعرت بعدها بالندم؟
- هل أشعل فيك شيء بسيط غضبا أو حزنا أكبر مما توقعت؟
- هل وجدت نفسك تنفعل في مواقف معينة أكثر من غيرها؟
- هل يقول عنك أحد أحيانا: “ردة فعلك كانت أكبر من الموضوع”؟
- هل تشعر أن بعض المواقف “تصحيك” بطريقة لا تفهمها؟
إذا أجبت بنعم على سؤال أو أكثر، هذا المقال يتكلم عن تجربة تعيشها. وفهمها يبدأ من الدماغ.
ما الذي يحدث في دماغك لحظة الانفعال؟
في الدماغ البشري منطقة تسمى اللوزة الدماغية Amygdala. وهي مركز معالجة المشاعر والتهديدات. وعملها سريع جدا أسرع من التفكير المنطقي.
حين تواجه موقفا يبدو مهدِدا حتى لو كان مجرد كلمة أو نظرة، تطلق اللوزة الدماغية استجابة فورية: القتال أو الهروب أو التجمد. وكل هذا يحدث قبل أن يدرك قشرة الدماغ المسؤولة عن التفكير المنطقي ما يجري.
هذا ما يسمى علميا باختطاف اللوزة الدماغية Amygdala Hijack، صاغ هذه المصطلح عالم النفس دانيال جولمان . في تلك اللحظة، الجزء العاطفي في دماغك يقود، والجزء المنطقي في الخلف ينتظر.
“اختطاف اللوزة الدماغية هو استجابة عاطفية مفرطة لا تتناسب مع المحفز الفعلي، ويحدث عندما تُسيء اللوزة الدماغية تفسير عامل التوتر على أنه تهديد خطير، مما يُعطل عمل القشرة الأمامية للدماغ المسؤولة عن التفكير المنطقي ويُثير رد فعل اندفاعي للقتال أو الهروب.”
تخيل هذا المشهد:
فهد في اجتماع عمل. زميله علق على فكرته بطريقة أمام الجميع. في خلال ثانية قبل أن يفكر شعر بحرارة في وجهه، وأجاب بحدة. الاجتماع انتهى والجو ثقيل.
لاحقا جلس وفكر: “ليش انفعلت بهالقوة؟ تعليقه ما كان هجوما شخصيا.” لكن دماغه لم يُفرّق في تلك اللحظة، فقط رأى تهديدًا فاستجاب له.
من أين تأتي حدّة الانفعال؟
ليس كل الناس يستجيبون بنفس الحدة لنفس المواقف. السبب يعود لعوامل متشابكة:
- الجروح القديمة: أحيانا ما يُشعل انفعالنا اليوم ليس الموقف الحالي، بل موقف قديم شبيه به. تجربة إهانة، رفض، أو خذلان من الماضي تترك أثرا في الدماغ. وحين يأتي موقف مشابه، يستجيب الدماغ كأنه يُعيد نفس التجربة.
- التراكم اليومي: الإنسان المرهق أو المتوتر أو الجائع أو قليل النوم، حدود تحمله تنخفض. ردود فعله تصبح أحدّ وأسرع. ما كان يتحمله في يوم مريح، لا يتحمله حين يكون مستنزفا جسديا أو عاطفيا
- الأنماط المكتسبة: بعض أنماط الانفعال تعلمناها في بيئاتنا الأولى. إذا نشأت في بيت يُعبّر عن الضغط بالصراخ أو الصمت المطوّل، فدماغك تعلم واعتاد على هذا النمط دون أن تختاره.
- التفسيرات التلقائية: بين الحدث وانفعالك ليس الحدث مباشرة، بل التفسير الذي أعطيته له. نفس الجملة يتلقاها شخصان بطريقتين مختلفتين تماما بناء على ما يحمله كل منهما من تجارب وتوقعات.
الحلم والأناة قيمة إسلامية وعلم
قال النبي ﷺ للرجل الذي طلب منه الوصية: “لا تغضب” وكرّرها ثلاث مرات. لم يقل: لا تشعر بالغضب. قال: لا تغضب أي لا تترجم الغضب إلى فعل.
وقال ﷺ: “ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. بمعنى أن القوة الحقيقية ليست في ردّة الفعل السريعة، بل في القدرة على التوقف قبلها.
الحلم والأناة في الإسلام ليسا ضعفا، هما اختيار واعٍ، وهما ما يُؤكّده علم النفس الحديث تحت مسمى الذكاء العاطفي.
” القوة لا تعني ألا تشعر، تعني أن تختار كيف تتصرف “
كيف توسّع الفجوة بين المحفّز وردّك؟
كما ذكرنا في بدابة اامقال أنه بين المحفّز وردّ فعلك مساحة. مهمتنا توسيع هذه المساحة. وهذا ممكن ليس بالقمع، بل بالوعي والممارسة.
أولاً: تعرّف على إشاراتك الجسدية
الجسم يُنبّهك قبل أن تنفجر. تعلّم إشاراتك الخاصة: سرعة ضربات القلب، حرارة في الوجه، توتر في الكتفين، ضيق في التنفس. هذه إشارات إنذار مبكر، استخدمها.
ثانياً: التوقف الواعي
حين تشعر بالإشارات، توقف قبل أن تتكلم أو تتصرف. ثانيتان أو ثلاث تكفيان أحيانا. يمكنك أن تقول: “أحتاج لحظة”، هذه الجملة البسيطة تنقل القيادة من اللوزة الدماغية إلى قشرة الدماغ المنطقية.
ثالثاً: اسأل نفسك السؤال الذهبي
قبل أن تردّ، اسأل: “هل ردّي هذا سيُحسّن الموقف أم يُعقّده؟” “هل سيهدئ الوضع أم يزيده سوءا؟” هذا السؤال وحده كافٍ لتغيير كثير من ردود الأفعال
رابعاً: افصل بين الشعور والفعل
أن تشعر بالغضب أو الحزن أو الإحباط، أمر طبيعي وإنساني تماما. المشكلة ليست في الشعور بل في الفعل الذي يأتي بعده دون تفكير. الشعور معلومة، لكن ماذا تفعل به هو الاختيار.
خامساً: راجع التفسير
اسأل نفسك: هل تأكّدت من قصد الشخص؟ هل من تفسير آخر لما حدث؟ كثير من الانفعالات مبنية على افتراضات لا على حقائق. “التمس لأخيك سبعون عذرا”
انفعلت! ماذا تفعل بعدها؟
الوعي لا يعني أنك لن تنفعل أبدًا. بالتأكيد ستنفعل لأنك إنسان. لكن ما يتغير هو ما تفعله بعد الانفعال.
- تعرّف على ما حدث بدون حكم: “انفعلت لأن هذا الموقف لامس شيئًا حساسًا فيّ.”
- إذا أذيت شخصًا بكلامك، اعتذر بصدق وبدون مبررات زائدة.
- افهم المحفّز: ما الذي أشعل هذا الانفعال تحديدًا؟ هل هو نمط متكرر؟
- تعلّم منه ولا تعاقب نفسك: كل موقف فرصة للمعرفة لا للإدانة.
الإنسان الذي يراجع انفعالاته بهدوء يتطور. والإنسان الذي يتجاهلها أو يبرّرها دائمًا يتكرّر.
“ لا تحكم على نفسك بأسوأ لحظاتك لكن تعلّم منها “
تمرين من نَسمة®
في المرة القادمة التي تشعر فيها بانفعال قادم:
- احظ إشارات جسمك قبل أن تتكلم.
- خذ نفسًا عميقًا وأخرج الزفير ببطء.
- ردد في ذهنك: “أختار ردّي.”
- اسأل: هل ردّي سيُحسّن الموقف؟
لا تحتاج لإتقان هذا دفعة واحدة. مرة واحدة تتوقف فيها هي بداية حقيقية.
خلاصة نَسمة®
- ردود فعلك ليست قدرا بل هي أنماط تشكّلت، وأنماط قابلة للتطوير. الوعي بها أول خطوة، والممارسة هي الطريق.
- لن تصبح شخصًا لا ينفعل، لكنك ستصبح شخصًا يختار. وهذا الاختيار هو أعمق معاني الحرية الإنسانية.
- كن رفيقا لنفسك في هذا الطريق. التغيير لا يحدث في يوم، لكنه يبدأ بلحظة وعي واحدة.
” الإنسان الناضج لا يملك مشاعر أقل ببل يملك وعيًا أكبر “
نسأل الله أن يهب قلوبنا الطمأنينة، وأن يُعيننا على أنفسنا في لحظات الضعف والانفعال.
منال المسلم
@manalalmusallam
@breath.of.joy
المقال القادم بعنوان التسويف ليس كسلاً، بل خوفًا مقنّعًا