سلسلة تعديل السلوك – المقال الرابع
لماذا نكرر نفس الأخطاء؟ دائرة السلوك – وكيف نخرج منها
بقلم: منال المسلم
وعدت نفسك ألا تعود لهذا النمط. قلت: “هذه المرة الأخيرة.” وصدقت نفسك.
ثم وجدت نفسك في نفس الموقف، مع نفس الشعور، تتخذ نفس القرار الذي ندمت عليه قبلا.
هذا ليس ضعفا في الإرادة. وليس قلة وعي. الأبحاث تقول إن تكرار الأخطاء ظاهرة إنسانية لها أسباب نفسية وعصبية حقيقية، وفهمها هو أول خطوة للخروج منها.
” الخطأ لا يُعلّمك شيئًا وحده لكن الوعي بالخطأ هو الذي يُعلّم “
تعرف على نفسك هنا؟
فكر في حياتك وأجب بصدق:
- هل هناك نمط يتكرر في علاقاتك نفس نوع الصراع، نفس طريقة التعامل؟
- هل تتخذ قرارات متشابهة في المواقف الصعبة وتندم عليها لاحقا؟
- هل تقول “لن أعيد هذا” ثم تجد نفسك تعيده؟
- هل هناك مجال في حياتك، عمل أو علاقات أو عادات تشعر أنك عالق فيه؟
- هل تعرف الخطأ نظريا لكن تجد صعوبة في تغييره عمليا؟
إذا أجبت بنعم على سؤالين أو أكثر، فأنت في دائرة. والدوائر لها منفذ، لكنه يبدأ بالفهم.
ما الذي يحدث فعلا في دماغك؟
الدماغ البشري مُصمَّم للبقاء والكفاءة وليس للسعادة. من أهم آلياته أنه يبني قوالب أو مسارات عصبية لكل سلوك متكرر. كلما كررت سلوكا، كلما ترسخت المسارات العصبية المرتبطة به وأصبحت أسرع وأسهل.
المشكلة: هذه الآلية لا تُفرّق بين القوالب النافعة والضارة. الدماغ يُعزّز ما هو مألوف حتى لو كان مؤلما. المألوف يشعره بالأمان حتى حين يؤذيه.
تخيل هذا المشهد:
ريم تلاحظ أنها في كل مرة يقترب فيها شخص منها بصدق، تبتعد. وفي كل مرة تنجح في عمل ما، تُقلّل من قيمته. تعرف النمط، تراه بوضوح. لكنها تجد نفسها تعيده مرارا. ليس لأنها تريد الألم، بل لأن دماغها تعلّم منذ الصغر أن القرب يعني الخطر، وأن النجاح يجلب التوقعات الثقيلة. الدائرة لا تتكرر لأنها ضعيفة — تتكرر لأنها مألوفة.
لماذا نكرر الأخطاء؟ أربعة أسباب نفسية موثقة
- التحيز للمألوف Familiarity Bias: الدماغ يميل تلقائيا إلى الأنماط التي استخدمها من قبل حتى لو أفضت لنتائج سيئة. أثبتت بعض الأبحاث أن الدماغ يعود للمعلومات والقوالب القديمة عند اتخاذ القرار، بغض النظر عن نتائجها السابقة. المألوف يُشعر بالأمان حتى حين يؤلم.
- التنافر المعرفي Cognitive Dissonance: عالم النفس ليون فستنجرأثبت في نظريته عام ١٩٥٧ أن الإنسان يسعى للاتساق الداخلي بين أفكاره وتصرفاته. حين يقع في خطأ يتعارض مع صورته عن نفسه، لا يغيّر تصرفه دائما، بل يبرر الخطأ أو يتجاهله حتى يحافظ على الاتساق. النتيجة: لا يتعلم.
- تكرار الأنماط القديمة: علم النفس يثبت أن الأنماط التي اكتسبناها في مراحل مبكرة من حياتنا، خاصة في بيئاتنا الأولى تخزن في اللاوعي وتؤثر على سلوكنا لاحقا. لا نعيد هذه الأنماط لأننا نريد الألم، بل لأنها الوحيدة التي يعرفها دماغنا في تلك اللحظة.
- النقد الذاتي يعيق التعلم: بحث الباحثة كريستين نف في مجال التعاطف مع الذات أثبت أن النقد الذاتي القاسي بعد الخطأ لا يحفز التغيير، بل يزيد التوتر ويعيد إنتاج نفس السلوك. حين نعاقب أنفسنا بشدة، نلجأ للأنماط المريحة القديمة،وندور في نفس الدائرة.
لماذا المعرفة وحدها لا تكفي؟
“أعرف أن هذا خطأ” جملة يقولها كثيرون وهم يكررون الخطأ نفسه. ولهذا سبب علمي واضح.
المعرفة تسكن في قشرة الدماغ، الجزء المنطقي. لكن كثيرا من سلوكياتنا المتكررة تنطلق من مناطق أعمق مرتبطة بالمشاعر والذاكرة. لهذا يمكنك أن تعرف الخطأ نظريا وتقع فيه عمليا، لأن العقل المنطقي والعقل العاطفي لا يتحركان دائما معا.
التغيير الحقيقي لا يحدث بالمعرفة فقط بل يحدث حين تتكرر التجربة الجديدة بوعي حتى تبني مسارات عصبية جديدة تنافس القديمة. هذا يحتاج ممارسة، وصبرا، ورحمة مع النفس.
” أن تعرف الخطأ لا يكفي…أن تفهم لماذا تقع فيه هو الذي يغير “
المحاسبة في الإسلام – علم وروح
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ وهذا النظر في ما قدمنا هو المحاسبة الحقيقية.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا” وهذه المحاسبة ليست جلدا للذات وعقابا، بل نظر واعٍ وصادق في أنماطنا وسلوكنا.
الفرق بين المحاسبة والعقاب الذاتي مهم: المحاسبة تسأل “ماذا حدث وكيف أتحسن؟” أما العقاب الذاتي فيقول “أنا إنسان فاشل” والأول يبني والثاني يهدم.
كيف تكسر الدائرة؟ خطوات عملية
أولا: سمِّ النمط بوضوح
لا يمكنك تغيير ما لا تراه. خذ ورقة واكتب: ما النمط المتكرر في حياتي؟ متى يظهر؟ ما الشعور الذي يسبقه؟ التسمية الواضحة تضعف سيطرة النمط لأنها تنقله من اللاوعي إلى الوعي.
ثانيا: ابحث عن جذر الأصل
اسأل نفسك: من أين تعلمت هذا النمط؟ هل هو استجابة لبيئة قديمة لم تعد موجودة؟ الفهم لا يبرر السلوك، لكنه يزيل الغرابة والتوبيخ ويفتح باب التغيير.
ثالثا: خطط للحظة المحفز
حدد: في أي موقف بالضبط يظهر هذا النمط؟ ثم قرر مسبقا: “حين يحدث (أ)، سأفعل (ب) بدلا من (ج).” التخطيط المسبق يقلّل الاعتماد على الإرادة في لحظة الضغط.
رابعاً: احتفِ بكل تحول صغير
حين تلاحظ النمط وتتوقف، حتى لو بعد البداية فهذا إنجاز حقيقي. الدماغ يتعلم من النجاحات أكثر من الإخفاقات. كل مرة تتصرف بشكل مختلف، تقوّي مسارا عصبيا جديدا.
خامسا: تعاطف مع نفسك حين تتعثر
التعثر جزء من مسار التغيير، وليس دليلا على الفشل. بحوث كريستين نف تثبت أن التعاطف مع الذات بعد الخطأ يحسن الأداء مستقبلا أكثر من النقد الذاتي القاسي.
قل لنفسك: “وقعت في نمط قديم. ماذا أتعلم؟” – وليس: “لن أتغير أبداً.”
تمرين من نَسمة® – هذا الأسبوع
اختر خطأً أو نمطا يتكرر في حياتك.
أجب على ثلاثة أسئلة بصدق وبرفق:
- ما الشعور الذي يُطلق هذا النمط؟
- ماذا أحاول أن أحقق أو أتجنّب حين أقع فيه؟
- ما الخطوة الواحدة التي يمكنني فعلها بشكل مختلف المرة القادمة؟
اكتب الإجابات – الكتابة تحول الأفكار الضبابية إلى وعي واضح.
الخلاصة من منظور نَسمة®
تكرار الأخطاء ليس قدرا بل هو نمط. والأنماط تتغير حين نراها بوضوح، نفهم جذورها، ونمنح أنفسنا الفرصة والوقت لبناء مسارات جديدة.
لا تحكم على نفسك بأسوأ لحظاتك. كل إنسان يحمل أنماطا تشكلت قبل أن يكون لديه خيار. الخيار الحقيقي يبدأ الآن بالوعي، والمحاسبة الرحيمة، والخطوة الصغيرة الواعية.
الدائرة لها منفذ. وأنت قادر على إيجاده.
” لا تحكم على نفسك بأسوأ لحظاتك لكن تعلم منها بأفضل ما فيك “
نسأل الله أن يُريَنا أنفسنا كما هي، ويُعيننا على أنفسنا بتوفيقه ورحمته.
المقال القادم الأربعاء 24 يونيو – سلسلة الوعي المجتمعي بعنوان: الضغط الاجتماعي حين تعيش حياة غيرك
منال المسلم
@manalalmusallam
@breath.of.joy