المدونة

مركّز على حياتك؟ نعمة تستحق الشكر

بقلم: منال المسلم

@manalalmusallam

في جلسة بسيطة مع إنسانة عزيزة من اللي كلامهم يشبه النسمة خرجت جملة قصيرة لكنها عميقة في معناها:

“فخار يكسِّر بعضه… مالنا شغل، خلينا مركزين بحياتنا”

قد تبدو عفوية، لكن خلفها حكمة نفسية وعاطفية كبيرة: ليس كل ما يحدث حولنا يستحق أن نكون جزءا منه.

في عالم سريع مليء بالمقارنات والأخبار والانشغال بأحوال الآخرين، ننسى أحيانا أهم سؤال: أين أنا من حياتي؟

هل أنت في الفخ؟ اسأل نفسك

قبل أن نكمل، خذ لحظات وأجب بصدق:

  • هل تجد نفسك تتابع أخبار شخص لا يؤثر في حياتك؟
  • هل تبدأ يومك بالنظر لما يفعله غيرك قبل أن تسأل نفسك ماذا تريد أنت؟
  • هل تشعر أحيانًا بثقل غير مبرر بعد الجلسات أو التصفح على الجوال؟
  • هل يستغرق الحديث عن حياة الآخرين جزءًا كبيرًا من وقتك؟

إذا أجبت بـ “نعم” على سؤال أو أكثر فحتما هذا المقال لك. وليس حكما عليك، بل دعوة للعودة لنفسك.

لماذا نقع في هذا الفخ؟ العلم يجيب

الانشغال بحياة الآخرين ليس عيبا في شخصيتك، هو استجابة بشرية طبيعية، لكنها حين تتحول لعادة تكلفك غاليا.

ثلاثة أسباب نفسية رئيسية:

  • المقارنة الاجتماعية: وصفها عالم النفس ليون فستنجر نقارن أنفسنا بالآخرين لنقيم مكانتنا، وهو ميل فطري. المشكلة حين يتحول لهوس.
  • الهروب من الذات: الانشغال بالآخرين طريقة لتجنب مواجهة مشاعرنا وأهدافنا المؤجلة.
  • إدمان الدوبامين: القيل والقال ومتابعة الآخرين يفرز الدوبامين مادة المكافأة في الدماغ مما يجعل الانشغال بالآخرين يشعرك بلذة مؤقتة.

تخيل هذا المشهد:

مريم تستيقظ صباحا. أول شيء تفعله: تفتح الجوال. تبدأ بالتصفح. ترى صور رحلة لزميلتها، قرار جديد لجارتها، “إنجاز” لشخص لا تعرفه جيدا. تغلق الجوال بعد نصف ساعة وهي تشعر بثقل غريب دون أن تعرف سببه. يومها بدأ وهي تنظر إلى حياة الجميع، إلا حياتها.

هذا المشهد يتكرر يوميا مع ملايين الناس. وأحيانا لا يكون بالجوال بل في الجلسات، في المكالمات، وفي الأحاديث.

ما الذي يسرقه منا هذا الانشغال؟

النشاط والطاقة الذهنية: الدماغ لديه طاقة محدودة يوميا. كل مقارنة وكل حكاية تستهلك منها.

الوقت الثمين: ساعة في حياة غيرك، هي ساعة لم تبنِ فيها حياتك.

الصحة النفسية: أثبتت الدراسات ارتباط المقارنة المستمرة بالقلق وانخفاض تقدير الذات.

الرضا عن الحياة: نقارن واقعنا الكامل بالواجهة المزينة لحياة غيرنا، فنخسر دائما.

خذها قاعدة: أنت لا ترى حياتهم كاملة أنت ترى ما اختاروا أن تراه

الجليس الصالح- حامل المِسك

قال النبي ﷺ: “مَثَلُ الجليسِ الصالحِ والجليسِ السوءِ كحاملِ المِسكِ ونافخِ الكيرِ”.

هذا الحديث ليس مجرد كلام جميل علم الأعصاب اليوم يؤكده بمفهوم “الخلايا العصبية المرآتية، نحن نتشكل تلقائيا بمن نجالس ونتأثر بهم دون أن نشعر.

الجليس الصالح لا يشغلك بحياة الناس بل يشعل فيك شوقا لحياتك الخاصة. تخرج من اللقاء معه وأنت تريد أن تفعل شيئا، لا أن تحكي شيئا.

اسأل نفسك عن كل جلسة:

  • هل خرجت منها أخف أم أثقل؟
  • هل تحدثنا عن أحلامنا أم عن أحوال الآخرين؟
  • هل أشعلت فيني طاقة ونشاط أم استنزفتها؟

كيف تخرج حين تقع في الفخ؟

أحيانا نلاحظ أنفسنا وقد غرقنا في حديث لا يخصنا، أو قضينا وقتا نتابع ما لا يفيدنا. هذا لا يعني الفشل بل يعني أننا واعون. والوعي هو الخطوة الأولى للتغيير.

حين تلاحظ نفسك في الفخ، جرب هذه الخطوات الثلاث:

  1. توقف وتنفس: لحظة واحدة من الوعي تكسر الحلقة. تنفس ببطء وقل لنفسك: “الآن أعود وأركز في حياتي”
  2. اسأل: هل هذا يخدمني؟ إذا لم تجد إجابة واضحة، هذا جواب كافي للتوقف.
  3. حول الفكرة/الحالة: بدل أن تستمر في الموضوع، افعل شيئا صغيرا لنفسك: اكتب هدفا، أو اقرأ صفحة، أو خذ نفسا في الخارج.

ما المعنى الحقيقي للعودة إلى نفسك؟

في منهج نَسمة®️، نؤمن أن التغيير يبدأ من الداخل. “انشغل بحياتك” ليست دعوة للانعزال أو البعد عن الناس بل هي دعوة للعودة إلى المركز: قيمك، أهدافك، ووقتك.

في علم النفس الإيجابي يسمى هذا بـ”التوجه الداخلي للتحكم” الشعور بأن ما يحدث في حياتك نتيجة خياراتك أنت، لا ردود فعل على ما يفعله غيرك.

والنبي ﷺ أشار إلى ذلك بدقة: “من حُسنِ إسلامِ المرء تركُه ما لا يَعنيه”. كلمات ثلاث “ما لا يعنيه” هي أدق تعريف للسلامة النفسية.

حين تعود لنفسك:

  • تسمع احتياجاتك بوضوح وتتخذ قراراتك بوعي.
  • تقل المقارنة مع الآخرين تلقائيا، لأنك مشغول ببنائك.
  • يتحول تركيزك من حياة غيرك إلى حياتك.

خطوات عملية …ابدأ من اليوم

  1. سؤال الصباح: قبل أن تفتح الجوال اسأل نفسك: ما الذي أريد أن أبنيه أو أحققه اليوم؟
  2. اختر بيئتك بوعي: راجع من تتابع ومن تجالس. البيئة تؤثر على طموحك لا على مزاجك فقط.
  3. مارس الصمت الانتقائي: ليس كل خبر يحتاج رأيك. الصمت الواعي قوة، لا ضعف.
  4. استثمر في نفسك: وقت تقضيه في التعلم أو الهواية أو الراحة الحقيقية يملأ الفراغ الذي يسبب الانشغال بالآخرين.
  5. قارن نفسك بنفسك أمس فقط: هذا المقياس الوحيد الذي يصنع نموا حقيقيا.

هناك جملة دائما أرددها في نفسي:” أنا في سباق مع نفسي فقط.”

 وبصراحة أعطتني راحة و تركيز في حياتي وأهدافي.

تمرين نَسمة®️ دقيقة واحدة

اجلس في مكان هادئ. ضع يدك على صدرك.

خذ ثلاثة أنفاس عميقة ببطء.

شهيق عميق من الأنف

أخرج الزفير من الفم ببطء واسترخاء

ومع كل نفس، كررفي ذهنك أو بصوت مسموع حسب ما تحب:

أنا أركز على حياتي ووقتي لما يخدمني وبما يرضي الله وهذا يكفي.

افعلها كل صباح لمدة أسبوع ولاحظ الفرق.

خلاصة نَسمة

“فخار يكسِّر بعضه” هذه الجملة لا تحمل تعاليا، بل تحمل حكمة. حين تترك التسابق مع الآخرين، لا تخسر شيئا، بل تستعيد نفسك.

المنافسة الوحيدة التي تستحق وقتك هي أن تصبح اليوم أفضل قليلا مما كنت بالأمس.

ليس كل ما يحدث حولك يعنيك. وأحيانا أكبر راحة تجدها في جملة واحدة:

” مالي شغل… وأنا مركز على حياتي…سعيدين وبعيدين “

نسأل الله أن يجعلنا ممن يحسنون الاستماع لأنفسهم، ويحسنون اختيار جلسائهم، ويمشون في طريقهم بثقة وسكينة.

مع كل الاحترام والتقدير

منال المسلم

مؤسسة منهج وأسلوب نَسمة®️